عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

89

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

ويصير في أفقه الأعلى وفي أول مرتبة الإنسان ، وهذه المرتبة وإن كانت شريفة من مراتب الحيوانات وهي أعلاها وأفضلها ، فهي رتبة خسيسة من مرتبة الإنسان وهي مراتب القردة وأشباهها من الحيوانات التي قاربت الإنسانية وليس بينها إلا اليسير الذي إن تجاوزته صارت إنسانا ، فإذا بلغه انتصبت قامته وظهر فيه من قوة التميز الشيء اليسير الذي يناسب حالته وقربه من أفق البهائم ولكنه على حال يهتدى فضل اهتداء إلى المعارف ، ويقوى فيه أثر النفس ويقبل التأديب بالفهم والتميز . وهذا الأثر إن كان شريفا بالإضافة إلى ما دونه من رتب البهائم فهو خسيس دني جدا بالإضافة إلى الإنسان الكامل النطق ، وهذه المرتبة الأدنى من مرتبة الإنسانية هي في أفق البهيمية ، وهي في أقصى المعمورة من الأرض في أطرافها من الشمال والجنوب كالترك والفرنج ، فإن هؤلاء ليس بينهم وبين الرتبة الأخيرة من البهائم التي ذكرناها كثيرا ، وليس يهتدون بالتميز إلى كثير شيء من المنافع وليس يؤثر بينهم حكمة ولا يقبلونها أيضا من الأمم التي تجاوزهم ، فلذلك ساءت أحوالهم فقل تنعيمهم وحصلوا غير مغبوطين ولا مستصلحين لغير العبودية والاستخدام فيما يستخدم فيه البهيمية ، ثم لا يزال أثر النطق يظهر ويزيد إلى وسط المعمورة في الإقليم الثالث والرابع والفهم والتيقظ في الأمور من الكيس في الصناعات استخراج غوامض العلوم والاتساع في المعارف ، ثم يقع التفاوت في هذه الرتبة حتى يبلغ منها إلى حيث يومى إلى الواحد الواحد في سرعة الهاجس وقوة الحدس واستقامة النظر وصحة الفكر وجودة الحكم على الأمور الكائنة والإخبار بالأحوال المستقبلة حتى يقال : فلان ألمعي فلان محدس وكأنما ينظر من وراء ستر رقيق كما قال الشاعر : الألمعي الذي يظن بك الظن * كان كمن قد رأى وقد سمعا فإذا بلغ الإنسان هذه الرتبة فقد قارب البلوغ إلى أول أفق الملائكة ولم يبق بينه وبين مرتبتهم الأعلى إلا درجات يسيرة ، فإذا رتبنا قوى العالم الصغير أي شخص الإنسان وشرحنا اتصال قواه بعضها ببعض مع ما شرحنا من كيفية ارتقاء قوة الحواس منه إلى ما هو أعلى منها ، ومنها إلى ما بعدها حتى يجاوز الملك ويناسبه ويستمد منه ، هناك يتبين مقام الإنسان ونهاية شرفه وكيفية مرتبته في اتصال الروح القدس به ، وقابليته لتجلي صفات الجمال والجلال واستعداده في قبول الفيض الإلهي بلا واسطة واستحقاقه مسجودية الملائكة إن شاء اللّه تعالى .